السيد كمال الحيدري
132
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
وقول رسول الله صلى الله عليه وآله : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ، فإنّ التحقيق عند النظر العميق أنّ فعل كلّ حاسّة وقوّة من حيث هو فعل تلك القوّة هو فعل النفس . فالإبصار مثلًا فعل الباصرة لأنّه إحضار الصورة المبصرة أو انفعال البصر بها ، وكذلك السماع فعل السمع لأنّه إحضار الهيئة المسموعة أو انفعال السمع بها ، فلا يمكن شئ منهما إلّا بانفعال جسماني ، وكلّ منهما فعل النفس بلا شكّ لأنّها السميعة البصيرة بالحقيقة ، لا كما اشتهر في الحكمة الرسمية : أنّ النفس تستخدم القوى فقط كمن يستخدم كاتباً أو نقّاشاً إلّا أنّ الاستخدام هاهنا طبيعىّ وهناك صناعىّ . وفى المشهور زيف وقصور ، فإنّ مستخدم صانع فعل لا يكون بمجرّده صانعاً لذلك الفعل ، فمستخدم البنّاء لا يلزم أن يكون بنّاءً ، وكذا مستخدم الكاتب لا يلزم كونه كاتباً ، فكذا مستخدم القوّة السامعة والباصرة لا يجب أن يكون سميعاً وبصيراً ، مع أنّا نعلم إذا راجعنا إلى وجداننا أنّ نفوسنا هي بعينها المدرك الشاعر في كلّ إدراك جزئىّ وشعور حسّى ، وهى بعينها المتحرّك بكلّ حركة حيوانية أو طبيعية منسوبة إلى قوانا سيّما القريبة من أفق عالم النفس . وسنحقّق في مستأنف الكلام من مباحث النفس إن شاء الله العظيم في إيضاح القول بأنّ النفس بعينها في العين قوّة باصرة ، وفى الأذن قوّة سامعة ، وفى اليد قوّة باطشة ، وفى الرجل قوّة ماشية ، وهكذا الأمر في سائر القوى التي في الأعضاء ، فبها تبصر العين وتسمع الأذن ، وتبطش اليد ، وتمشى الرجل » « 1 » . هذا المعنى هو الذي صوّره السبزواري في منظومته الفلسفية بقوله : النفس في وحدتها كلّ القوى وفعلها في فعله قد انطوى يسجّل النصّ الصدرائى رفضه بوضوح لموقف الفلسفة المشائية فيما تذهب إليه من أنّ النفس لا ترى ، بل تستعمل القوّة التي ترى ، ولا تسمع بل
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 378 377 .